adplus-dvertising

الكون المضاد


يزعم ثلاثة فيزيائيين أنَّ كوننا ما هو إلا صورة معكوسة لكونٍ آخر يتطور باتجاهٍ معاكس زمنيًا! قد تكون هذه الفكرة غريبة إلى حدٍّ ما، لكنّها تقدم حلولًا لألغاز كونية عديدة، لكنْ قبل أنْ نخوض في تفاصيل الفكرة لا بدَّ أن نتحدث أولًا عن مفهوم التناظر؛ فهو حجر الزاوية في هذه النظرية.

التناظر: هو مفهوم شائع جدًّا في الفيزياء النظريَّة والرياضيات، إذ تمتلك جميع قوانين الفيزياء درجات مختلفة من التناظر، لنطرح مثالًا بسيطًا؛ إذا دوَّرنا كرة حول أيّ محور فإننا سنحصل على الشكل الكروي نفسه دون أي تغيير، ويُعرَف هذا باسم “التناظر الدوراني”.
لكنَّ العلماء اكتشفوا بعض الظواهر والتفاعلات الفيزيائية التي تخرق أحد أوجه التناظر منذ خمسينيات القرن الماضي، ولعل أهم تناظر وأشهره في الفيزياء هو ما يُعرَف بتناظر CPT “الشحنة، والمكان، والزمن” إذ يجب أنْ تُحقِّق جميع قوانين الفيزياء أحد هذه التناظرات على الأقل، إن لم تكن جميعها.

فلنتحدث قليلًا عن معنى كلٍّ من هذه التناظرات:
1-  تناظر الزمن “Time Symmetry”: إذا جعلْنا الزمن يجري باتجاه معاكس، فلن تتغير الفيزياء، ومثال ذلك قوانين نيوتن، فلو استبدلتَ بالقيمة الموجبة للزمن قيمةً سالبةً؛ فإنك ستحصل على قوانين الحركة نفسها دون تغيير، كما لو كان الزمن يمشي بالاتجاه الموجب.
2- تناظر التماثلية “Parity Symmetry”: ينص ببساطة على أنك لو عكست اتجاه محاور الإحداثيات جميعًا، كجعل المحور x -مثلًا- يتجه من اليمين إلى اليسار؛ فإنَّ قوانين الفيزياء ستبقى كما هي.
3- تناظر الشحنة ” Charge Symmetry”: تخيل أنه لو عُكست شحنة جميع الجسيمات في الكون، لتصبح الجسيمات الموجبة سالبة، والسالبة موجبة. فما الذي سيتغير في الكون برأيك؟ الجواب هو: لا شيء! سيبقى الكون كما نعرفه.

يلجأ الفيزيائيون -عادةً- عند حل بعض الألغاز إلى افتراض وجود جسيمات جديدة تفسر هذه الظواهر. ولكن في هذه الأطروحة لا حاجة إلى افتراض وجود أي جسيمات! إذ عبّر عن ذلك نيل تورك أحد واضعي هذه الفكرة؛ وهو المدير السابق لمعهد بريميتر المرموق للفيزياء النظرية في واترلو، كندا: “أعتقد بأنّ طريقة التفكير هذه مضللة”.

الحل البديل برأي كلٍّ من تورك وزملائِه هو بافتراض أنَّ الكون كله – متضمّنًا الكونَ المضاد – يحافظ على تماثلية CPT. ففي الكون المرافق هناك جسيمات مضادة بدلًا من الجسيمات العادية، والكون يتمدد في الاتجاه المعاكس للزمان والمكان منذ الانفجار الكبير، فهما يسلكان تمامًا سلوك زوج إلكترون-بوزيترون عند تكونه في الفراغ، حسب تورك.

ويقدم هذا الأنموذج حلولًا لألغاز عديدة، منها لغز المادة المظلمة، إذ إنّ الأنموذج يقترح جسيمًا لهذه المادة، هو الجسيم المرافق للنيوترينو ويعرف بـ ” النيوترينو الخامل ” أو Sterile neutrino، الّذي يتميز بكتلته الكبيرة نسبيًّا – قرابة 500 ضعف كتلة البروتون- وضعف تفاعلاته، فهو يتفاعل مع قوة الجاذبية فقط.

إلا أنّ النظرية لا تقدم حلولًا كاملة، فهي لم تفسر مثلًا تفاوت درجات الحرارة في إشعاع الخلفية الكونيّ. ويدرك تورك وزملاءه أنَّ الفكرة ما تزال في بدايتها، وأنها تحتاج إلى كثيرٍ من العمل والتطوير، وأنها بدأت تجذب انتباه العديد من العلماء للإسهام فيها، فلربما تصل بنا يومًا إلى الإجابة عن كثيرٍ من الأسئلة الكبيرة التي حيرتنا عقودًا طويلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.