موقع بحوث

بحث عن تاريخ الفقه الإسلامي جاهز doc‎

المقدمة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا فأضاء للبشرية حنادث الظلماء وأحيا موات النفوس وأوضح المنهج والسبيل، والصلاة والسلام على المصطفي المختار الذي دعى الناس إلى صراط العزيز الحميد ففتح الله به قلوبًا غلفًا وبصر به أعين عميًا وأسمع به أذانًا صمًا، ولم يقبضه إليه حتى أكمل له الدين وأتم به النعمة ومضى صلى الله عليه وسلم إلى ربه بعد أن تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وأصلى وأسلم على آله الأطهار وصحبه الأبرار الذين حفظ الله بهم هذا الدين فقد تحملوا الأمانة وأدوها لم يضيعوا منها شيئا ولم يكتموا منها أمرا ورضي الله عن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين الذين فقهوا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة الكرام وجاهدوا في سبيل حفظ الدين ونشره.

أما بعد،

– فنشرع في تدارس موضوع تاريخ الفقه الإسلامي أو تاريخ التشريع الإسلامي، وهي دراسة لفضيلة الدكتور/ عمر الأشقر حفظه الله تعالى.

– وهذا الكتاب في الفقه وأدواره التي مر بها يعطي القارئ تصورا حسنا إن شاء الله تعالى عن المسار الذي سلكه الفقه في تاريخه منذ نشأته عندما أنزل الله تعالى دينه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا، والمطلع على تاريخ هذا العلم يزداد به بصيرة ويتسع أفقه ويعلم ما طرأ عليه في مختلف العصور.

– ونبدأ أولًا بتعريف الفقه في اللغة و الاصطلاح، مدار الفقه في لغة العرب على الفهم، ومادة الفقه تستعمل في الفهم، قال تعالى {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي.

يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:27-28] أي يفهموه، وعندما بعث الله شعيبا عليه السلام قال له قومه: {يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرً‌ا مِّمَّا تَقُولُ} [هود:91] أي لا نفهمه.

وتقول العرب أوتي فلانا فقها في الدين، أي فهما له، وقال الله تعالى: {لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة:122] أي ليكونوا علماء به، ودعى رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» يعني فهمه تأويله ومعناه، فاستجاب الله تعالى دعائه وكان ابن عباس من أعلم الناس في زمانه بكتاب الله تعالى فهو الحبر البحر، وهو ترجمان القرآن.

– وتقول العرب: أوتي فلانا فقها في الدين، أي فهما له.

– قال ابن سيدة: “فقه عني بالكسر أي فهم، ويقال فقه عني ما بينته له إذا فهمه”.

– وقال الأزهري: “قال لي رجلا من كلاب وهو يصف لي شيئا فلما فرغ من كلامه قال، أفقهت؟ أي أفهمت”.

– ورجل فقيه عالم، وكل عالم بشيء فهو فيه فقيه، وفقيه العرب أي عالم العرب.

– وهذا التعريف كما جاء بلسان العرب يتضح منه أن العرب تفسر الفقه بالعلم كما تفسره بالفهم، فالفقه علم وفهم.

– يقول الفيروز الأبادي “الفقه بالكسر العلم بالشيء والفهم له”.

– بعض الأصوليين رأى أن الفقه مغاير للعلم، وقالوا أن الفقه هو جودة الذهن أي أن الفقه يعبر عن ملكة الذهن أي أن الفقه يعبر عن الملكة والإمكانيات العقلية والذهنية ونحو ذلك، فهو جودة الذهن من جهة تهيئته لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب وإن لم يكن متصفا به، والعلم عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التمييز بين حقائق المعاني الكلية أصولا لا يتطرق إلىه احتمال نقيضه.

– والحقيقة، أنه لا ينبغي أن يُعترض على تفسير الفقه بالعلم، بعد أن ثبت عن العرب تفسيره بذلك، والعرب تقول للعلم فقها لأنه عن الفهم يكون، فالإنسان لا يمكن أن يفقه إلا إذا فهم على مذهب العرب في تسمية الشيء بما كان سببا له، فالفهم يكون سببا في حصول العلم وهناك ارتباط فيما بين معنى العلم والفهم في الفقه من حيث اللغة.

– وتفسير الفقه بالفهم يدلنا على تعلق الفقه بالمعاني لا بالذوات، فتقول فقهت الكلام أي فهمته، لكن لا تقول فقهت الرجل بل تقول عرفت الرجل.

– ولا فرق عند العرب في كون المعنى المراد فهمه واضحا أو خفيا فكله يدخل في دائرة الفقه -وخالف في ذلك أبو إسحاق المروزي فذهب إلى أن الفقه يدخل في فهم الأمور الخفية دون الواضحة الجلية- والصحيح أن الفقه هو مطلق الفهم نقلا عن العرب سواء فيما دق أو فيما جل فهو يتناول فهم الأمور الواضحة والخفية على حد سواء، ويؤكد هذا أن القرآن الكريم استعمل كلمة الفقه لمجرد الفهم فقال تعالى في شأن الكفار: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}، وقال ذو القرنيين بأنه: {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} فهذا يدل على استعمال كلمة الفقه لمجرد الفهم بغض النظر هل هو فهم دقائق الأمور الواضحة أو الخفية.

– والفقه من حيث الاصطلاح، فهناك اصطلاح أهل الصدر الأول للإسلام، وهناك الفقه في اصطلاح المتأخرين.

– فالفقه عند العرب كما ذكرنا هو الفهم والعلم لا يفرقون في هذا بين كلام وكلام أو بين علم وعلم، وكل من علم علما فهو فقيها في ذلك العلم، والذي أحاط بعلوم كثيرة فذلك هو فقيه العرب وعالمهم.

وبعد مجيء الإسلام غلب اسم الفقه على علم كل الدين لسيادته وفضله وشرفه على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريا وغلب العود على المندل.

ولذلك ففي الدعاء عن معاوية رضي الله عنه مرفوعا: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» والدين هنا الذي كان يستعمل في صدر الإسلام شاملا لكل الدين كما جاء في بعض الأحاديث “أنه لا يفقه دين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه” فالفقه في الصدر الأول يشمل كل الدين.

وكان علم الدين في ذلك الوقت -الصدر الأول للإسلام- يتمثل في كتاب الله تبارك وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «نضر الله أمرءا -وهو دعاء بالنضارة وهي النعمة والبهجة والحسن فيكون معنى الحديث جمله الله وزينه- سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه» والتأمل في هذا الحديث يدلنا على أن الفقيه هو صاحب البصيرة في دينه الذي خلص إلى معاني النصوص واستطاع أن يخلص إلى الأحكام والعبر والفوائد التي تحويها النصوص يدلنا على هذا قوله صلى الله عليه وسلم فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه أي أقدر منه على التعرف على مراد الله وأحكامه وتشريعاته، وقوله ورب حامل فقه ليس بفقيه أي ليس عنده القدرة على استخلاص الأحكام والعلم الذي تضمنته النصوص.

– وقد كان الفقهاء من الصحابة والتابعين معروفين بارزين، ففي الحديث الذي يرويه البخاري عن أنس أبن مالك رضي الله عنه في شأن الأموال التي غنمها المسلمون من قبيلة هوازن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وزعها على رجال من قريش فعتب رجال من الأنصار على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا كلاما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم فدعى الرسول الأنصار وقال لهم: «ما كان حديث بلغني عنكم؟» فقال له فقهاؤهم -ومعناها أنهم كانوا معروفين وبارزين- أما ذوو آرائنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، الكبار والفقهاء والعلماء منا لم يقولوا شيئا.

– وأراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يخطب في موسم الحج في أمر مهم فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإني أرى أن تمهل حتى تقدم ‏المدينة ‏(‏فإنها دار الهجرة والسنة والسلامة) وتخلص لأهل الفقه (وأشراف الناس وذوي رأيهم)، أي إذا تكلمت هنا في موسم الحج فهو يجمع العلماء والجهلاء والغوغاء والرعاع ونحوهم والذين لا فقه لهم ولا علم لهم فيمكن أن تكون منك كلمة يسيئون فهمها يطيرون بها في أفاق الدنيا فكل يعود إلى بلده وينقل عن عمر الكلام الذي أساء فهمه فيحدث فتن أو نحو ذلك فتمهل حتى تقدم المدينة وتخلص إلى أهل الفقه بها وتتكلم مع من يفهم عنك كلامك بطريقة صحيحة وهذا الحديث في البخاري أيضًا

. – وفي مسند الأمام أحمد عن الزهري قال أخبرني رجلا من الأنصار من أهل الفقه أي كانت هناك طبقة معروفة ومميزة من أهل الفقه وأهل العلم.

– وقال يحيي بن سعيد الأنصاري وكان قد أدرك كبار التابعين بالمدينة كسعيد بن المسيب ولحق قليلا من صغار الصحابة كأنس بن مالك رضي الله عنه فقال ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون في كل ثنتين من النهار وهذا رواه البخاري أيضًا.

– وقال الزهري إذا ولغ الكلب في إناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به، وقال سفيان الثوري هذا الفقه بعينه يقول الله تبارك وتعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}.

وهذا ماء، وبالطبع بغض النظر عن صحة هذا الكلام من عدمه لكن الشاهد أن سفيان قال هذا الفقه بعينه أي يشير إلى فقه الزهري والذي كان مذهبه أنه إذا ولغ الكلب في إناء وليس له ماء غير هذا الماء فإنه يتوضأ به، ووافقه سفيان لأن فقه الزهري أنه أعمل ظاهر النص والذي قال فلم تجدوا ماءا وهذا المتوضأ قد وجد ماءا فلا يجوز له أن يتيمم، وطبعا هذا الاستدلال فيه نظر، لأن الماء النجس كالماء المعدوم، والمقصود بالنص فلم تجدوا ماءا طهورا يصلح أن تتوضئوا به أي ماء طاهر صالح للوضوء، ومذهب عامة وجماهير العلماء -عدا الأمام مالك- أن الماء ينجس بذلك.

– وكلمة الفقهاء كانت تتردد وعلى ألسنة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين دالة على أصحاب البصيرة النافذة في دين الله الذين فهموا عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، وقد كانت سمات الفقهاء واضحة وعلاماتهم بارزة، وقد دل رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من صفاتهم في أحاديث كثيرة فقال صلى الله عليه وسلم: «من فقه الرجل رفقه في معيشته» وقال صلى الله عليه وسلم: «من فقه الرجل أن يقول لما لا يعلم الله أعلم» صحيح مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته» رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه» – أي علامة على فقهه.

– وهذا الذي أوردناه من إطلاق اسم الفقهاء على العلماء بالدين الإسلامي من أصحاب البصيرة في دينهم يرد على العلامة أبن خلدون الذي ذهب إلى أن الاسم الذي كان يُطلق على أهل الفتية والفقه من الصحابة هو اسم القراء.

ومما يؤكد ما ذهبنا إليه وينفي ما ذهب إليه العلامة ابن خلدون أن ابن مسعود رضي الله عنه جعل اسم القراء مغايرا لاسم الفقهاء، فقد روى مالك في موطئه أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال لإنسان “إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه -فغاير بذلك بين الفقهاء وبين القراء- تُحفظ فيه حدود الله وتُضيع حروفه، قليل من يسأل كثير من يُعطي، يطيلون فيه الصلاة ويُقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه، تُحفظ فيه حروف القرآن وتُضيع حدوده، كثير من يسأل قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة ويقصرون فيه الصلاة، يبدون أهوائهم قبل أعمالهم”.

فهذا كله يؤكد أن الفقيه من الصحابة هو الذي خصه الله تبارك وتعالى بنوع من الفهم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن مجرد الحفظ لا يجعل صاحبه فقيها.

– وكان الفقه في الصدر الأول فقها شاملا للدين كله غير مختص بجانب منه، وكان الفقيه عندهم يُعنى بالأصول قبل الفروع، ويُعنى بأعمال القلوب قبل أعمال الأبدان، ولذلك سمي الإمام أبي حنيفة ورقات في العقيدة باسم الفقه الأكبر أي أنه أكبر بالنسبة إلى فقه الفروع الذي هو أصغر بالنسبة إليه.

فالفقه كان يشمل في ذلك العهد علم العقيدة وأحكام الفروع والأخلاق، وممن نص على هذا صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود فقال: “اسم الفقه في العصر الأول كان مطلقا على علم الآخرة ومعرفة دقائق النفوس والاطلاع على الآخرة وحقارة الدنيا، ولست أقول أن الفقه لم يكن متناولا أولا الفتاوى والأحكام الظاهرة بل هي جزء منه، لكن الفقه كان يشمل كل الدين”. – ويقول ابن عابدين الحنفي “المراد بالفقهاء العالمون بأحكام الله تبارك وتعالى اعتقادا وعملا، لأن تسمية علم الفروع فقها حادثة” -أي أمرا حديثا أو اصطلاح متأخرين-، ويؤيده قول الحسن البصري “إنما الفقيه هو المعرض عن الدنيا الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع، الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم”. – وقال بعض السلف، الفقيه هو من يخشى الله، واستدلوا بقوله تبارك وتعالى: {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَ‌هْبَةً فِي صُدُورِ‌هِم مِّنَ اللَّـهِ} وعللها تبارك وتعالى بقوله: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ}، فنفي عنهم الفقه لما نفي عنهم الخشية.

إذا هذا فيما يتعلق بالفقه في الصدر الأول

. – أما الفقه في اصطلاح المتأخرين، فمعناه علم القانون الإسلامي، خاصة المتأخرين بعد الصدر الأول، أي العلم بالأحكام الشرعية العملية.

.
.
.

__________________________________

اضغط الرابط أدناه لتحميل البحث كامل ومنسق جاهز للطباعة 

مقالات متعلقة

تلخيص عن كتاب الحدود – الشرح الممتع جاهز وورد doc

admin

بحث عن الطرق الحديثة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة جاهز وورد doc

admin

بحث عن الجودة – جودة التعليم جاهز للطباعة وورد docx‎

admin

اترك تعليق